رضوى خضر تفتح النار على نواب الوفد بالمحلة و تسحب منهم الثقة

أعلنت اﻻستاذة رضوى خضر رئيس لجنة المرأة بوفد المحلة و رئيس مجلس إدارة المحلة اليوم اﻻعﻻمية ، عن سحب ثقتها عن نواب حزب الوفد بالمحلة الكبرى

خاص - "المحلة اليوم" تطلق مركز التدريب الصحفى الأول بالمحلة

تطلق مؤسسة المحلة اليوم الإعلامية "مركز التدريب الصحفى و الإعلامى" ، للمرة الأولى بمدينة المحلة الكبرى

المحلة اليوم تطلق موقع "محلة كورة" رسمياً

تعلن مؤسسة المحلة اليوم الاعلامية عن انطلاق موقعها الرياضى "محلة كورة" رسمياً

بالصور .. الألاف يشيعون جنازة الشهيد "دبور" بالمحلة

شهدت مدينة المحلة الكبرى جنازة عسكرية للشهيد خالد دبور الذى أستشهد أثر حادث إرهابي فى العريش

خاص - رضوى خضر تكشف ميزانية غزل المحلة و الادارة تدعى الفقر

أعلنت رضوى خضر ميزانية شركة و نادى غزل المحلة فى إنفراد و سبق إعلامى فريد، حيث ذكرت أرقام جميع بنود ميزانية شركة غزل المحلة تقوم إدارتها بإيهام العمال و جماهير الكرة بنادى غزل المحلة بأنها تغرق فى الازمات المالية الطاحنة ، و تتحجج دائما بقلة الامكانيات المادية .

‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالة الاديب عبد الرازق أحمد الشاعر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات مقالة الاديب عبد الرازق أحمد الشاعر. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 24 ديسمبر 2012

فتاوى ثورية

عبد الرازق أحمد الشاعر


بقلم - عبد الرازق أحمد الشاعر

أسدى أحد مستشاري نابليون إياه نصيحة بتحريم التدخين باعتباره رذيلة موبقة، فنظر الرجل في عيني صديقه ليتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الولاء، ثم قال في لهجة متهكمة: "تلك الرذيلة تزود خزينة الدولة بمئة مليون فرنك سنويا. ورغم هذا، فأنا على استعداد لتحريمها بشرط أن تأتيني بفضيلة تزود الخزينة بمبلغ مماثل."
ليس للقيم سعر في عالم الاقتصاد إذن، ولا شأن لصانعي القرار وجابيي الضرائب بمُثُل تعصف بالبورصة أو تلوي عنق المستثمرين نحو موانئ أقل فضيلة وأكثر عائدا. والداخلون إلى سوق الأسهم بحزمة من المثل لن يخرجوا منها إلا بجيوب خاوية ونظرات عاتبة. البراجماتيون فقط هم الأكثر ربحا والأوفر حظا في عالم السياسة. 
والسياسيون الذين يدخلون عتبة التاريخ بجملة من العظات، يخرجون عادة من بوابته الخلفية غير مأسوف عليهم، لأنهم يلجؤون في أحيان كثيرة إلى تشويه الحقائق لتتفق مع رؤاهم أو مناوراتهم من أجل البقاء أطول فترة ممكنة في قصورهم الرئاسية، وهنا ينكشف زيفهم وتظهر عوراتهم لشعوب آمنت بهم حد المجازفة ووثقت بكلماتهم حد العمى. 
وما أسوأ البطانة التي تحرف الكلم عن مواضعه لتمرر مشروعا أو تشريعا، فتحول المقدس إلى رأي فيسقط الرأي ويسقط المقدس. ليت ناصح الفرعون صمت أو ليته استعان على قضاء حاجته بتقرير طبي عن صحة الفرعون أو صحة واحد من أفراد أسرته الذين دمر التدخين حناجرهم ونخر صدورهم! وليته توقف عن التحريم والتحليل جلبا لمنفعة أو درءا لكارثة. 
لم يكن الفرعون في حاجة إلى فتوى تبرر حظر استيراد السجائر أو تحرم أو تجرم بيعها، لأن نابليون الذي كان يتلهى عن آلام حصوة المرارة بالتدخين لم يكن في حاجة إلى كلمات فوق علب التبغ تذكره بأضراره، ناهيك عن تشريع مقدس يحرم ضخ مئة مليون فرنك في شرايين الاقتصاد كل عام. 
لكن الوطنية تُطغي أصحاب التدين المشروط والأسانيد المطبوخة، فتجعلهم يتجرؤون على الفتوى بقلوب مطمئنة وعيون مغلقة، فيوزعون الفتاوى مجانا على موائد الساسة ويغطون سوءات ملوكهم بالفتاوى المعلبة التي لا تسمن ولا تغني من بؤس. لم يكن نابليون ذا فضيلة ليدافع عنها، لهذا لم يجد حرجا في استيراد التبغ، ولم يكن في حاجة للدفاع عن مصالحه الآنية بأحاديث ضعيفة أو أختام مقدسة.
أما المغرورون بصلاحهم الذين يحشرون نصوص الدين في فراغات السياسة إنما يرقعون عباءة الدنيا من جلد الدين، فيصرفون الناس عن الهدى بعد إذ جاءهم ويرسمون خرائط ما اعوج من سرائرهم فوق صراط الله القويم، لينحرف الدين كيفما انحرفوا ويميل حيث يميلون. لا حاجة لنا بفتاوى تحلل القروض الربوية بحجة الضرورة، أو تحرم الاعتراض على مسودة دستور يراه فريق من المستشارين محرما. 
الفضيلة تعرف طريقها نحو العرش أيها المدافعون عن الله بحرابكم الصدئة، وليس الله في حاجة إلى حشود تكرس العنف وتحرض على الكراهية، ولا إلى فتاوى تناصر الدين في مواجهة العلمانية أو اليسارية أو الاشتراكية، فنهر الدين يعرف طريقه نحو القلوب العطشى ما لم تعترض طريقه أحجار الزيف، وحتما لن يشاد الدين أحد إلا غلبه. اطمئنوا أيها المؤمنون، ولا تكونوا كمستشار نابليون الذي تبرع بالفتوى ذات جهالة ليفرض صلاحه بسيف الفقه، كي لا تمتهن المقدسات ويتجرأ السفهاء على بيوت الله وروادها، وادعوا إلى سبيل ربكم بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلوا المخالفين بالتي هي أحسن. يقول أندر موريس: "التواضع والإيثار فضيلتان يمتدحهما الناس ولا يتحلون بهما."

الأربعاء، 7 نوفمبر 2012

سيناء أرض المعارض

الاديب - عبد الرازق أحمد الشاعر

بقلم - عبد الرازق أحمد الشاعر
اجتمع حاكم سيناء الإنجليزي ذات احتلال مع زعماء القبائل الكبيرة هناك ليتحدث إليهم بشأن معرض زراعي ينتوي إقامته، لكن لكنة الرجل المحتلة لجزالة لفظنا خانته، فقال في لهجة متكسرة: "فوق رمال هذه الأرض الطيبة، سيكون ثمة مرض خطير للغاية." ولم يتم الرجل عبارته حتى تحدبت حواجب القوم حول عيونهم المحملقة، وسأل سائل تعثرت الحروف البدوية في حلقه اليابس: "أحقا ما تقول؟" قال أحمر الوجه في نبرة واثقة: "نعم، وأريد أن يكون أعظم مرض عرفته البلاد، وأتمنى أن أحظى بدعمكم في هذا الصدد. كما أتمنى أن تكونوا أنتم وجميع أهليكم في انتظاره."
عندها زاغت الأبصار، وبلغت قلوب الرجال الحناجر، وظنوا بالقدر الظنون. فها هم بعد صبر جهيد على طول احتلال، يفد إلى رمالهم محتل من نوع آخر ليأكل ما تبقى من خضار في أعوادهم اليابسة! كم حلموا برحيل أحذية المستعمر عن صعيدهم الطاهر، وصعدوا إلى جبل المناداة يستغيثون ربهم، لكنهم كانوا يعودون في كل مرة دون ألواح ليجدوا العجل الأحمر جالسا فوق عروش رجولتهم ممتطيا صهوة الفقر والجهل والحاجة. كانوا رجالا ككل الرجال، لكن شواربهم كانت تموت في اليوم ألف مرة تحت نعاله الغليظة. 
وها هو السيد جارفيز يمتهنهم كما لم يفعل من قبل، ويسخر من جهلهم وقلة حيلتهم، فيبارك نوازلهم ويبشرهم بالمرض والموت. صمت الرجال ووضعوا رؤوسهم المحتلة في رمال مخاوفهم، حتى انفرجت شفتا شيخ قربت الشعيرات الكثة ما بين حاجبيه حتى بدا كمظلة كثيفة من الشعر النافر فوق ثقبين صغيرين على طرفي أنفه: "ما الذي يجعلك واثقا أنه آت لا محالة؟" قال ثقيل الظل: "لأن حكومتنا تريد ذلك."
لم يملك الرجال لحاهم عندها، وسرت همهمة فيما بينهم تحولت إلى جلبة تثير القلق. لكن الإنجليزي المشدوه لم يفهم سببا لثورة الشيوخ الذين كادت الدموع تفيض من أعينهم من شدة الهلع والحنق والاستياء. فها هي بريطانيا العظمى تكشر عن أنيابها وتكشف عن ساقها أمام رجال لا حيلة لهم إلا الصبر ولا طاقة لديهم بجالوت وجنوده. 
عندها تدخل نفر من العقلاء، وأصلحوا ما أفسد الحلق من مخارج. وخرج المشايخ يضربون كفا بصدر من سوء فهم كاد يحيل سمن الوداد سما، يقول أحدهم لرهطه: "إن جاءكم إنجليزي بنبإ فتبينوا". وبقيت غنيمة الصحراء الباردة في انتظار المعرض لا المرض، لكنها ظلت محتلة عن طيب خاطر وطيب عجز. 
لكن المترجمين الصالحين لم يدركوا يومها أن المستوطنين أشد فتكا من الأوبئة المستوطنة، وأن بعض الأمراض أكثر لطفا وألين عشرة من بعض المعارض. ولو أن سنوات عمرهم العجاف امتدت بهم ليروا بأعينهم بوادر استعراض استعماري تشارك فيه بدور البطولة عناصر من الفئة الباغية ممن قعدوا عن مقاومة الاحتلال أول مرة، لعرفوا أن الخطأ كان خطيئة هناك، وأنه ما كان عليهم أن يصلحوا ما أفسد الدهر بين المبشرين بالمعارض المنذرين بالمرض وبين الفقراء ذوي الحاجة من أهليهم المسحوقين. 
أفلح المترجمون في ردم هوة الخوف في عيون البدو ذات رعب وقلة حيلة، لكنهم لم يلجموا حدة الشهوة التي تسيل لعاب الرجل الأحمر الرابض فوق ترابهم كأبي الهول، يضحك من سذاجتهم وقلة حيلتهم. لم يعد أمر المعارض في سيناء خافيا على أي لبيب، ولم تعد مسكنات الترجمة كافية لوصل ما انقطع من ود. فليس بيننا وبينهم أسلاك شائكة تقع فوق بحيرات من غاز وثروات ونفط، فتحت تلك الأسلاك بقايا من جلود مصرية حاولت قدر ما تستطيع أن تقف حاجزا أمام أطماعهم العابرة للمعارض. 
ليت مشايخ سيناء الذين انصرفوا وهم يضحكون من لكنة الطامعين يدركون أن بلادهم في سبيلها إلى لتحول إلى معرض دائم وسيرك مقيم لكافة غزاة الأرض، وأن الأمر لم يعد يحتمل التأويل أو التعليل. سيناؤنا وسيناؤكم في خطر أيها السادة، وترابنا وترابكم مهدد بالتحول إلى محميات دولية وثكنات دائمة للأحذية الثقيلة. وليت الثوار جدا الشامتين بترجمات العجز المُوٓرَّث يدركون أن ثأرهم هناك عند أم المعارض وليس في قلب العاصمة.

الاثنين، 5 نوفمبر 2012

إيطاليا ثائرة



بقلم - عبد الرازق أحمد الشاعر


فوجئ الرسام والشاعر الإنجليزي إدوارد لير أثناء تجواله بالجنوب الإيطالي، باندلاع شرارة الثورة هناك، واحتدام المعارك بين الثوار والجند، ففر الرجل بلحيته الكثة وما تبقى في صلعته من شعيرات نافره، وعاد إلى فندق إقامته. وهناك، وجد الحارس ملقى على كرسيه كجورب قديم وقد ذهب السكر بما كان في جمجمته الضخمة من وعي. 
هز لير بدن المخمور، فاستفاق قليلا، وأمال رقبته يمينا، ليفتح عينيه بين يدي نزيل فندقه الذي طالبه نافد الصبر بمفتاح غرفته. انتصب الرجل في كرسيه كمن لدغته عقرباء شمطاء، وحدق ذاهلا في عيني لير، ثم لوى عنقه كي تخرج الكلمات المحشورة في رقبته المكتنزة مستقيمة قدر الإمكان، وصاح محتقنا: "اسمع يا هذا، لا مكان في هذه البلاد للمزيد من المفاتيح أو الهويات أو الملوك أو القوانين أو القضاة أو ما شابه بعد اليوم. لم يعد في بلادنا إلا الحب والحرية والصداقة والدستور."
يومها كانت الثورة قد نشبت أظفارها في العديد من المدن الأوروبية وامتلأت شوارع القارة العجوز بنفث الربيع الثوري ونفخه، وكان الثوريون يملأون الساحات والميادين بهتافاتهم اللاهبة: "عيش .. حرية .. عدالة إجتماعية." إلا أن الرجل المنتشي بعروقه المنتفخة ورائحة الكحول المتطايرة من فمه لم ير من ربيع الثورات المتأججة إلا فوضى خلاقة تفسح الطريق نحو علاقات مفتوحة بلا ضابط ولا حسيب.  
في بلاد البواب الضخم، اندلعت ثورة على الفساد والظلم والقمع والاستبداد، لكنه ظل قابعا في كرسيه هناك، ينتظر المخلصين القادمين من كل فج عميق لينتهوا من مشاعر الثورة المقدسة من تبرك بالميادين وطواف حول أضرحة الشهداء، ليعودوا بخرائطهم التفصيلية لحفر تضاريس الوطن الجديد في وجه القارة التي تغضن جبينها وشاب ذيلها في ظل القهر زمنا، لكنهم تركوه للانتظار الممض والكأس الفارغة. 
في إيطاليا إبان الثورة، لم يكن ثمة مفاتيح ولا هويات. فقد تخلصت البلاد بقدرة غاشم من القوانين والقضاة، فور تخلصها من الملك والحاشية. صارت بلادا يحكمها الهوي وتتحكم فيها الميول والنزوات. في إيطاليا الخارجة للتو من ساحة الغياب إلى ساحة الغيبوبة، لم يعد ثمة مخرج أو أسهم معقوفة تدل على طريق آمن لأن القادمين من أقاصي القنوط نسوا خرائطهم الوطنية في جيوب الثوار الذين دفعوا دماءهم نقدا عند محطات الكرامة.
في إيطاليا، لم يعد ثمة خيار بين بديل وبديل، أو بين فصيل وفصيل، فالكل متساو في الغباء والأنانية والركض خلف الشعارات والشارات. لم يعد في إيطاليا الخارجة للتو من محبسها الاحتياطي إلى ساحات التيه ثمة قانون بعد أن صارت القوانين نهبا لعصابات قضائية منظمة ومحاكمات هزلية مفبركة وأحكام حزبية انتقائية. لم يعد في إيطاليا المنتصرة على ملوكها مطابع أميرية أو سجلات مدنية تطبع هوية واحدة أو تحمل الشعار نفسه. صارت إيطاليا المنقسمة على ثوارها أشبه بحلبة رقص يتلوى فيها كل ثائر على إيقاع عزفه المنفرد. لم يعد في إيطاليا الغارقة حتى أذنيها في لجة الجدل البيزنطي إلا دستور حتما لن يعمل به أحد، ولن يمتثل له أحد، لأن إيطاليا الثورية جدا لا تؤمن بالدستور ولا تحنى رأسها إلا للنزوات السياسية والهوى الحزبي. أيتها الثورة، كم من الجرائم ترتكب باسمك. 

الخميس، 1 نوفمبر 2012

نحن .. وحامل الكاميرا





بقلم - عبد الرازق أحمد الشاعر

في فبراير من عام 1986، احتشد عدد ضخم من الليبيين الثائرين أمام منصة يتربع فوق خشباتها خمسة من الرجال يرتدون زيا عسكريا ويتوسطهم ميكروفون ضخم. وريثما غصت القاعة الحزبية بالأقدام، تعالت الهتافات الحماسية اللاهبة من حناجر جوقة الثائرين فوق المنصة والملتفين حولها لتتردد في المكان أهازيج فلكلورية صاخبة: "بالروح بالدم، نفديك يا قذافي. الموت لأمريكا. الموت لأمريكا." 
وبدأت الدماء تغلي في العروق وتزحف في عزم نحو الرؤوس النووية الملتهبة. وشيئا فشيئا، تشنجت الأصابع وتكومت في راحاتها القلقة، وبدأت القبضات تعرف طريقها نحو الهواء في تحد واثق للشيطان الأكبر، ورغبة عارمة في جعل الأسطول الأمريكي طعاما لأسماك السردين الضالة. وبين رهط المغلوبين على ثورتهم، ارتفعت قبضة ثائرة فنالت من صلعة مصور أمريكي ينقل الأحداث عن كثب إلى مواطنيه الذين حتما سترهبهم الأصابع المعقوفة والحناجر المتربصة بفيالقهم المتقدمة نحو الهزيمة. 
التفت الأمريكي مستغربا نحو صاحبنا المسكين الذي أنسته حميته أنه مجرد كومبارس بسيط في مسلسل أمريكي ممل تدار حلقاته من وراء البحار بتوجيهات مخابراتية غاية في الدقة والذكاء. كان الرجل يهم بترديد شعار كل من يريد التربع فوق رؤوسنا الخاوية على بلاطها القبوري البارد، فداهمته نظرة الأمريكي الحانقة، وجمدت الدماء في عروقه ويبست الهتافات في حلقه.
وجه المسكين نظرة إملاق نحو الكاميرا، ثم عاد وثبتتها فوق صلعة الأمريكي التي كانت تعكس أضواء المكان فوق قطرات بللورية كثيفة قبل أن يستفيق من صمته المخجل، ويلتمس الصفح من حامل الكاميرا الضخم. وبمجرد أن أدار الأمريكي عدسته، رفع الرجل قبضته الساقطة تارة أخرى، لكنها تجنبت هيكل الواقف أمام ثورته كصخرة تسد حلق كهف محتقن، ليردد مع جوقة الحانقين: "الموت لأمريكا .. الموت لريجان، الموت .. الموت .. الموت."
لكن أمريكا لم تمت رغم ما بذلته الحلوق والأيدي، ولم يفد المؤتمرون الثائرون قذافيهم بالروح ولا بالدم. بل تقدموا نحو رقبته ذات صهيل أخر لينحروه نحر البعير أمام حامل الكاميرا الديمقراطي جدا والأمين جدا على نقل هزلياتنا أمام الرأي العام الأمريكي ليضحك الأمريكي ملء معدته، بينما يعد حامل الكاميرا حقيبة سفره لينتقل بها نحو حلوق أخرى أكثر ثورية وأشد كراهية للشيطان الأكبر.
هو السيناريو نفسه الذي قاد زعيم الثورة الفرنسية دانتون نحو المقصلة ليضع رأسه الكبيرة حول أنشوطة أخرى بتهمة الانقلاب على الثورة. يومها وقف القذافي الفرنسي أمام المقصلة بشعره المنفوش ليخاطب عشماويه قائلا: "لا تخف وجهي عن أعين محبي وأنا ألفظ أنفاسي الأخيرة، لأنهم لن يروا مثل هذا الوجه حتى أمد بعيد." يومها، كان حامل الكاميرا هناك يصور عن كثب سقوطا آخر لرأس آخر شيبته الثورة وأخواتها، لكن صاحبنا الليبي لم يكن هناك، لأنه كان مشغولا يومها بمسلسلات مكسيكية أكثر دفئا وأقل دموية.
واليوم، يريبنا تنقل حامل الكاميرا نفسه وسط مدننا الربيعية جدا ليوزع فلاشاته الليلية هنا وهناك دون أن يجد من يصفعه على قفاه أو يضرب رأسه بقبضة عارضة ليذكره أن أهل البلاد المغلوبة على ثوريتها لم يفقدوا بعد وعيهم، وأنهم يعون تاريخ الكاميرا جيدا ويعلمون كيف تؤكل البلاد من أكتافها، وأنهم لن ينزلوا إلى الميادين في حماية حامل الكاميرا اللعين لأنهم يكرهون أن يكونوا مجرد كومبارس في مسلسل أمريكي مدبلج.
عبد الرازق أحمد الشاعر

الأربعاء، 31 أكتوبر 2012

المشردون فى الارض

الأديب عبد الرازق أحمد الشاعر

بقلم - عبد الرازق أحمد الشاعر

اغتاظ عمدة بروكلين، رادولف جولياني، من ممارسات أحد أعضاء الكونجرس الذي لم يكف عن المطالبة بزيادة الميزانية المخصصة للمشردين في دائرته في كافة الجلسات السرية والمعلنة، فما كان منه إلا أن قام ببناء ملجأ للمشردين بالقرب من منزله. وقد أعلن جولياني عن خبث طويته صراحة في قحة فجة: "فعلت هكذا نكاية بستيفن بايبرنزا. " 


الطريف أن ضاحية بروكلين، الراقية جدا، لم تكن بحاجة إلى المزيد من الملاجئ حيث أن أقدام المشردين المشققة لم تكن تتحمل برودة رصيفها الرخامي أو صلافة أهلها الذائبين في آنية النعيم هناك. لكن النزل المغروز في خاصرة المدينة كان بمثابة خنجر في واجهة صاحبنا عضو الكونجرس. 


المأساة لم تنته هناك عند بيت بايبرنزا الذي تكوم أمام المبنى الجديد كلوحة من القش المحترق، بل تجاوزه لينال من مصحة نفسية تقدم خدماتها لأكثر من خمسمئة عميل بعد أن اختارها العمدة الثائر مقرا لنقمته. وبضربة معول واحدة، تخلص العمدة الجهبذ من صوت الديمقراطية النشاز ورئيس المصحة الذي لم يتعامل كما يجب مع رجل يحمل لقبه.


ولم يهتم جولياني بصيحات المعارضين المستهجنة، ولا بكاريكاتير بوب هيربرت الذي صوره على هيئة طفل ينزع جناحي ذبابة في جريدة ذا نيوز. لم يكترث الرجل للملايين المهدرة، ولم يشفق على مئات المرضى الذين أوقعهم حظهم العاثر بين فكي المرض وأمثاله. 


ما أصعب أن تتحول آلام البسطاء إلى سلعة تبخسها السلطتان التشريعية والتنفيذية، وأن يسقط البسطاء عمدا من أجندة المتاجرين بأحلامهم الذين يتحولون عادة من ممثلين لهم إلى ممثلين عليهم بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع وإعلان نتائج الفرز! وما أبخسها من سلعة تلك التي يروج لها المتاجرون بالديمقراطية فوق أرصفة الجرائد وأمام حوانيت الفضائيات! وما أتفه الغايات التي تسعى إليها الأحزاب الساقطة التي تتخذ من ضلوع الفقراء منصات، ومن زفراتهم الحرى أبواقا دعائية تسوق لعهرهم السياسي وتدليسهم الفكري، فيلبسون حقوق البسطاء وآمال المشردين بباطل أحلامهم المريضة في الشهرة والسلطة والنفوذ.


في الثمانينات من القرن المنصرم، تحولت قضية المشردين في أمريكا إلى مسألة أمن قومي، وقامت العديد من الجامعات والأكاديميات المتخصصة بعمل دراسات مستفيضة حول ظاهرة التشرد باعتبارها من أخطر الظواهر الاجتماعية التي تهدد أمن المجتمع. وتوصل الباحثون إلى عدة خلاصات أهمها أن عدم توزيع المشردين بشكل متوازن على الولايات يعد سببا رئيسا في تفاقم مآسيهم الإنسانية، وأوصت الدراسة بإعادة توزيع المشردين جغرافيا كي يتم استيعابهم في مؤسسات المجتمع الخيرية. 


لكن الدراسة التي تعاملت مع المشردين كأسواق تجارية أو كمحطات وقود تجاهلت إنسانيتهم وعلاقاتهم المجتمعية التي تكونت عبر عقود من الشتات، وتعاملت معهم كقوالب إسمنتية يمكن رصفها في أي قطعة فضاء. بيد أن أحد الموزعين على مآوي الشتات لفت انتباه أساتذة الجامعات إلى فقرهم الوجداني المدقع حين عاد من مخيم تأهيلي إلى شتات كان يعرفه، فلم  يجد بين سكانه إلفا ولا سكنا. مما دفع الساخر جيري لويس إلى حمل أحد المشردين الأقزام مخمورا في قفص إلى حفل أحد القائمين على مشروع التأهيل وهو يحمل ورقة في يده تقول: "إلى من يظن أنه يملك كل شيء، جئتك حاملا كل شيء: إنسانيتي."


ليت القائمين على مشروع التأهيل هناك تقدموا بما هو أيسر، وهو إعادة تأهيل البشر، وإقامة ممر آمن للبسطاء بينهم، عن طريق توزيع الطيبين أصحاب القلوب الرحيمة على المدن بالتساوي لتسع المشردين والفقراء وذوي الحاجات. وليتهم تقدموا بمشروع يحظر الاتجار بأحلام البسطاء وآمالهم ويعاقب الساسة والمتنفذين الذين يوزعون الآمال الكاذبة في ضواحي الفقراء الذين لا يجدون إلا إنسانيتهم المحبوسة في أقفاص من الصفيح لا تصلح زرائب للماشية.


جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المحلة اليوم الاعلامية © 2017 . يتم التشغيل بواسطة Blogger.